غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
80
تاريخ مختصر الدول
وبنى قسطنطينوس بيعة عظيمة بالقسطنطنية وسماها أجيا سوفيا أي حكمة القدوس . وبيعة أخرى على اسم السلَّيحين . وبنى بيعة بمدينة بعلبك وكان أهلها يتشاركون في النساء ولم يخلص لأحدهم نسب فكفّهم عن ذلك فكفّوا . وبنى بأنطاكية هيكلا ذا ثماني زوايا على اسم السيدة . وفي أيامه حاصر سابور ملك الفرس مدينة نصيبين ثلثين يوما . وبدعاء مار يعقوب أسقفها ومار افريم تلميذه رحل عنها خائبا . وفي عودته غزا ما بين النهرين . فنهض قسطنطينوس لمحاربته وعند وصوله إلى نيقوموذيا أدركته المنية سنة اثنتين وأربعين وستمائة للإسكندر [ 1 ] وذلك يوم الأحد لثمان بقين من أيار وكان عمره خمسا وستين سنة . وفي مرضه قسم الملك على أولاده الثلاثة وملَّك الكبير المسمى باسمه قسطنطينوس على قسطنطينية . ورتّب الآخر المسمى قسطنطيس على مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية . ورتب الصغير المسمى قوسطوس على رومية واسفانيا وما يليها من ناحية المغرب . وفي هذا الزمان ظهر آريوس المبتدع . هذا كان قسيسا خطيبا بالإسكندرية . فعلا ذات يوم مشهود [ 2 ] المنبر ليخطب كعادته وابتدأ بخطبته من كلام سليمان بن داود وهو قوله : الرب خلقني في أول خلائقه . وأخذ يقرر انه عنى بذلك كلمة الله فهي مخلوقة مباينة بالجوهر لذات الله لأنها عبارة عن العقل الذي هو المعلول الأول وهو أول ما خلق الله . فكتب الملك كتابا إلى جميع الأساقفة وقال فيه : انه لا شيء آثر عندي ولا أزين في عيني من خشية الله ومراقبته . وقد رأيت الآن ان تعزموا على القدوم إلى مدينة نيقيا من غير وني لكي تفحصوا عن أمر دينيّ دعت الحاجة إلى تحقيقه . فاجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا ونظروا فيما تفوه به آريوس فوجدوه مخالفا لأصل المذهب فزيّفوا علمه الفاسد ورتبوا الأمانة المشهورة واجتمعت الفرق المسيحية كلها على صحتها إلى يومنا هذا . وكان اجتماعهم سنة ستمائة وست وثلثين للإسكندر . وكان في هذا المجمع أسقف يرى رأي ناباطيس . فقال له الملك : لم لا توافق الجمهور في قبول من تاب عن معاصيه منيبا إلى الله . فأجابه الأسقف : انه لا مغفرة لمن فرطت منه كبيرة بعد الإيمان والعماد بدليل قول فولوس الرسول حيث يقول : لا يستطيع الذين ذاقوا كلمة الله ان يدّنّسوا بالخطيئة ليطهروا بالتوبة ثانية . فقال له الملك هازئا به : ان كان الأمر كما تزعم فانصب
--> [ 1 ] - والصواب سنة ثمان وأربعين وستمائة . [ 2 ] - مشهود ر مشهور .